عندما تبدو العدالة أكثر بُعداً: منظور إيزيدي بشأن العودة الأخيرة لأشخاص مرتبطين بداعش
هناك لحظات تختفي فيها فجأة المسافة بين أحداث العالم وحياتك الشخصية.
بالنسبة إلى كثير من الأستراليين، ستُنظر إلى التقارير الأخيرة بشأن عودة نساء أستراليات سبق ارتباطهن بداعش من زاوية الأمن القومي. وستدور نقاشات حول الجنسية، والمراقبة الاستخباراتية، وإعادة التأهيل، والالتزامات القانونية، وسياسات الحدود. وسيتحدث السياسيون عن التحقيقات، والأجهزة الأمنية، وسيادة القانون.
أما بالنسبة إليّ، وبالنسبة إلى كثير من الإيزيديين، فالأمر يبدو مختلفاً.
إنه أمر شخصي.
مثل كثيرين في الشتات الإيزيدي، نشأت وأنا أسمع قصصاً لا ينبغي لأي إنسان أن يضطر إلى سماعها. قصص قرى أُفرغت من سكانها. وعائلات فُصل أفرادها بعضهم عن بعض. ونساء أُخذن إلى الاستعباد الجنسي. ورجال أُعدموا. وأطفال اختُطفوا. وشعب بأكمله كاد أن يُمحى خلال بضعة أيام.
لم تكن الإبادة الجماعية التي ارتكبها داعش بحق الشعب الإيزيدي عام 2014 مجرد صراع آخر في الشرق الأوسط. بل كانت محاولة متعمدة وممنهجة لتدمير شعب وهويته ومستقبله. وحتى اليوم، لا يزال آلاف الإيزيديين نازحين أو مفقودين أو يعانون من الصدمات، أو يحاولون إعادة بناء حياة شكّلها عنف يفوق التصور.
ومع ذلك، ورغم مدى كارثية تلك الأحداث ووحشيتها بالنسبة إلى الإيزيديين، لا يزال كثير من الأستراليين يعرفون عنها القليل جداً. وبعضهم لا يعرف عنها شيئاً على الإطلاق.
وهذا جزء مما يجعل هذه التطورات الأخيرة صعبة عاطفياً إلى هذا الحد.
عمل المدافعون الإيزيديون ونشطاء حقوق الإنسان لسنوات من أجل الاعتراف والمساءلة والعدالة. وبالنسبة إلى كثيرين، تبدو هذه اللحظة وكأنها صفعة على الوجه. تبدو غير طبيعية. تبدو غير عادلة. وكأن سنوات من العمل والمناصرة يمكن أن تُقوض بقرارات لا تأخذ بصورة كاملة في الاعتبار الأشخاص الأكثر تضرراً من فظائع داعش.
عندما تنتشر أخبار عن عودة أشخاص مرتبطين بداعش إلى أستراليا، يتركز النقاش العام غالباً بصورة شبه كاملة على الإجراءات القانونية وترتيبات الأمن القومي. وهذه النقاشات مهمة. فالحكومات لديها التزامات قانونية. والأجهزة الأمنية تؤدي دوراً أساسياً. وتُختبر الديمقراطيات من خلال كيفية استجابتها للمواقف الصعبة وغير المريحة.
لكن هناك جانباً آخر من هذا النقاش غالباً ما يبدو غير مرئي: منظور الناجين والضحايا والأشخاص المتأثرين بصورة مباشرة.
بالنسبة إلى كثير من الإيزيديين الذين يعيشون في أستراليا، تعيد هذه التطورات فتح جراح لم تلتئم بالكامل قط. وهي تطرح أسئلة صعبة حول العدالة والمساءلة والأمان والاعتراف. أسئلة لا يمكن اختزالها بسهولة في شعارات سياسية أو نقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي.
كيف تبدو العدالة فعلياً بعد الإبادة الجماعية؟
هل يمكن للمساءلة أن تبدو مكتملة يوماً بالنسبة إلى أشخاص فقدوا الكثير؟
وأين مكان الناجين والضحايا في هذه النقاشات؟
لا أدعي أن لدي إجابات سهلة.
أفهم أن على الحكومات اتخاذ قرارات ضمن أطر قانونية والتزامات دولية. وأفهم أن ليس كل شخص ارتبط بداعش أدى الدور نفسه أو ارتكب الأفعال نفسها. كما أفهم أن الأجهزة الأمنية تعرف عن المخاطر المعنية أكثر بكثير مما يعرفه عامة الناس.
لكن فهم التعقيد لا يمحو الألم. ولا يمحو الصدمة. ولا يمحو التجارب التي ستظل تشكل حياة بعض الأشخاص إلى الأبد.
ولا ينبغي له أيضاً أن يُسكت أولئك الذين يواصلون العيش مع آثار فظائع داعش كل يوم.
من أصعب جوانب الانتماء إلى شعب تشكلت تجربته بفعل صدمة جماعية أن ترى النقاش العام يمضي قدماً بينما يبقى العبء العاطفي. تنتهي دورات الأخبار. وتصدر الحكومات بياناتها. وتتغير السياسات. لكن الناجين يواصلون حمل ذكريات لا تختفي بانتهاء العناوين الإخبارية.
أعتقد أن كثيراً من الإيزيديين يريدون ببساطة الإقرار والاعتراف بأن مخاوفنا مشروعة وأنها مهمة. فالعدالة لا تتعلق فقط بالتفاصيل القانونية. بل تتعلق أيضاً بالاعتراف بالواقع الذي يعيشه الضحايا والناجون. ويستحق الأشخاص المتأثرون مباشرة بالعنف المتطرف أن يُسمع صوتهم، لا أن يُعاملوا باعتبارهم فكرة لاحقة.
هذا لا يتعلق بالكراهية. ولا يتعلق برفض سيادة القانون.
بل يتعلق بالتساؤل عما إذا كانت أنظمة العدالة والقرارات السياسية تترك مساحة كافية للناجين كي يشعروا بأنهم مرئيون ومحميون ومحترمون.
تفخر أستراليا بالإنصاف والعدالة وحقوق الإنسان. وهذه القيم مهمة للغاية. لكن جزءاً من التمسك بهذه القيم يتمثل في الاستماع بعناية إلى الأشخاص الأكثر تأثراً بهذه القضايا، حتى عندما تكون وجهات نظرهم غير مريحة أو صعبة عاطفياً.
وبوصفي شخصاً يعمل في مجال القانون والعدالة، كثيراً ما أفكر في كيفية استجابة المؤسسات بعد الفظائع والعنف. القوانين مهمة. والأمن مهم. والإجراءات القانونية الواجبة مهمة. لكن الذاكرة مهمة أيضاً. والاعتراف مهم كذلك. وكذلك الأثر الإنساني الذي يبقى طويلاً بعد أن تنتقل الحكومات إلى القضية التالية.
لقد عانى الشعب الإيزيدي من الصمت من قبل. وكثير منا لا يريد أن يشعر مرة أخرى بأن صوته لا يُسمع.
وربما يكون أهم ما يمكن لأستراليا فعله مستقبلاً هو ألا تركز فقط على الاستجابات الأمنية، بل أن تضمن أيضاً أن تكون أصوات الناجين جزءاً من النقاش الوطني. لا مخفية عند أطرافه. ولا مُهمشة. ولا منسية بين ليلة وضحاها.
لأن العدالة لا يمكن أن تكون مجرد شيء تديره الحكومات.
بل يجب أيضاً أن تكون شيئاً لا يزال الناس قادرين على رؤيته والإيمان به.